صديق الحسيني القنوجي البخاري
141
فتح البيان في مقاصد القرآن
فينسلخ كل شيء عليهم ، من جلد ولحم وعرق ، حتى يصير في عقبه ، حتى أن لحمه قدر طوله ، وطوله ستون ذراعا ، ثم يكسى جلدا آخر ثم يسجر في الحميم . ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ يقال سجرت التنور ، أي أوقدته ، وسجرته ملأته بالوقود ، ومنه الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [ الطور : 6 ] أي المملوء ، فالمعنى توقد بهم النار أو تملأ بهم ، والمراد أنهم يعذبون بألوان العذاب ، وينقلون من باب إلى باب قال مجاهد ومقاتل : توقد بهم النار فصاروا وقودها ، عن عبد اللّه بن عمرو قال : تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إِذِ الْأَغْلالُ إلى قوله : يُسْجَرُونَ ، فقال : لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض ، وهي مسيرة خمسمائة سنة ، لبلغت الأرض قبل الليل ، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن يبلغ أصلها . أو قال : قعرها » « 1 » أخرجه أحمد والترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور . ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أي يقال لهم ، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هذا توبيخ وتقريع لهم ، أي أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم من دون اللّه ؟ وهي الأصنام وغيرها ، وترسم أين مفصولة من ما كما أشار إليه ابن الجزري قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي يقولون : ذهبوا وغابوا ، وفقدناهم فلا نراهم ، ثم أضربوا عن ذلك وانتقلوا إلى الأخبار بعدمهم ، وأنه لا وجود لهم فقالوا : بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أي لم نكن نعبد شيئا ، قالوا هذا بعد ما تبين لهم ما كانوا فيه من الضلالة والجهالة ، وأنهم كانوا يعبدون ما لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ، وليس هذا إنكارا منهم لوجود الأصنام التي كانوا يعبدونها ، بل اعتراف منهم بأن عبادتهم إياها كانت باطلة ، كقولك : حسبته شيئا فلم يكن كذلك ، وقال المحلي : أنكروا عبادتهم إياها انتهى . وهذا المعنى بعيد في مقام الحساب والعرض على رب العالمين كَذلِكَ الضلال الفظيع يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ حيث عبدوا هذه الأصنام التي أو صلتهم إلى النار . ذلِكُمْ أي ذلك الإضلال المدلول عليه بالفعل أو العذاب بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي اللّه ، والسرور بمخالفة رسله وكتبه ، وقيل : بما كنتم تفرحون به من المال والأتباع والصحة ، وقيل : من إنكار البعث والعذاب ، وقيل : المراد بالفرح هنا البطر والتكبر وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ المراد بالمرح الزيادة في البطر ، وقال مجاهد وغيره : تبطرون وتأشرون ، وقال الضحاك : الفرح السرور . والمرح العدوان وقال مقاتل : المرح البطر والخيلاء وقيل المرح أشد من الفرح .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في جهنم باب 6 ، وأحمد في المسند 2 / 197 .